ابن قيم الجوزية
640
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
بالعين ، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه . وإنما أراد : أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، يكاد يسقطك . قال الزجاج : يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك . وهذا مستعمل في الكلام . يقول القائل : نظر إليّ نظرا كاد يصرعني . قال : ويدل على صحة هذا المعنى : أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن ، وهم كانوا يكرهون ذلك أشدّ الكراهية ، فيحدّون إليه النظر بالبغضاء . قلت : النظر الذي يؤثر في المنظور : قد يكون سببه شدة العداوة والحسد فيؤثر نظره فيه ، كما تؤثر نفسه بالحسد ، ويقوى تأثير النفس عند المقابلة . فإن العدو إذا غاب عن عدوه فقد يشغل نفسه عنه . فإذا عاينه قبلا اجتمعت الهمة عليه ، وتوجهت النفس بكليتها إليه . فيتأثر بنظره ، حتى إن من الناس من يسقط ، ومنهم من يحمّ ، ومنهم من يحمل إلى بيته . وقد شاهد الناس من ذلك كثيرا . وقد يكون سببه الإعجاب . وهو الذي يسمونه : بإصابة العين . وهو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام ، فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين . وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين . فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه ، فيصاب بذلك . قال عبد الرزاق : عن معمر عن هشام بن قتيبة قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « العين حق . ونهى عن الوشم » . و روى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن عامر عن عبيد بن رفاعة « أن أسماء بنت عميس قالت : يا رسول اللّه ، إن بني جعفر تصيبهم العين ، أفنسترقي لهم ؟ قال : نعم . فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين » . فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة . فهو نظر يكاد يزلقه .